أحمد بن يحيى العمري

37

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

قال : وخرج ابن عائشة يوما من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه : « 1 » [ الوافر ] أبعدك معقلا أرجو وحصنا * قد أعيتني المعاقل والحصون [ ص 7 ] قال : فأطرق وأمر له بثلاثين ألف درهم ، وبمثل كارة القصار « 2 » ثيابا « 3 » . فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى « 4 » ، كان يشتهي الغناء وشرب النبيذ فدنا منه غلامه وقال : من هذا الراكب ؟ قال : ابن عائشة المغني ، فدنا منه ، فقال : جعلت فداك ، أنت ابن عائشة أم « 5 » أمير المؤمنين ؟ قال لا ، أنا مولى لقريش ، وعائشة أمي ، وحسبك هذا ، ولا عليك أن تكثر . قال : وما هذا [ الذي ] أراه بين يديك ؟ « 6 » قال : المال والكسوة « 7 » ، قال : غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربه ، فكفر وترك الصلاة ، وأمر لي بهذا المال والكسوة ، فقال : جعلت فداك ، فهل تمنّ عليّ أن تسمعني ما أسمعته إياه ، فقال له : ويلك أمثلي يكلم بهذا في الطريق ؟ قال : فما أصنع ؟ قال : الحقني بالباب ، وحرك ابن عائشة بغله شقراء كانت تحته لينقطع عنه ، فغدا معه حتى وافيا « 8 » الباب كفرسي رهان ، فدخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف ، فلم يفعل ، حتى قال لغلامه : أدخله ، فلما أدخله قال له : من أين صبك

--> ( 1 ) البيت غير منسوب وهو في الأغاني 2 / 219 . ( 2 ) القصار : الذي يقصر الثياب ، يزيل ألوانها ، أو الصباغ ، وكارة القصار ، يحكم الثياب حيث يكور ثيابه في ثوب واحد ويحملها فيكون بعضه على بعض ( اللسان : كور ) ( 3 ) في الأصل : ( ثياب ) والوجه ( ثيابا ) بالنصب . ( 4 ) وادي القرى : واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة . ( 5 ) كذا في الأصل ، وفي الأغاني ( ابن عائشة أم المؤمنين ) وهو الصواب . ( 6 ) في الأغاني : ( بين يديك من المال والكسوة ) . ( 7 ) في السّياق نقص ، ومؤداه : « قال : ومن حباك وكساك ؟ » [ المراجع ] . ( 8 ) في الأصل : ( حتى أوفيا الباب ) وهو تحريف ( وافيا ) .